أصبحت الأنتيرنيت في زمن قصير نسبيا أداة ضرورية، لا غنى عنها في البلدان ما بعد الصناعية وتأخذ تدرجيا مكانة متزايدة الأهمية ضمن قائمة الانشغالات في البلدان الانتقالية، مشكلة في كلا الحالتين ملامح مجتمع متمايز يطلق عليه المجتمع الإليكتروني(e-Society) في عالم مشبك (Networked up World) عموده الفقري شبكة الشبكات، الأنتيرنيت.
كانت صورة عالم الأنتيرنيت في منتصف شهر جوان من هذه السنة 2005 تتشكل من الملامح التالية: مليار شخص موصل بالشبكة العنكبوتية، أي حوالي خمس سكان المعمورة، وبلغت معاملات التجارة الإليكترونية عبر الشبكة 150 مليار دولار أمريكي وأدخلت تغييرات جذرية في مجالات التربية والتعليم والصحة والإدارة وميادين نشاطات أخرى، كما أنها ساعدت على انتشار المراهقة السايبرية من مثل الغش والتدليس وألعاب القمار وانتحال الهويات وابتزاز الأطفال ونشر الصور الخليعة وممارسة الشبقية الافتراضية...
وقد أثار هذا الوضع مسألة حكم الأنتيرنيت وتم وضعه في مقدمة الانشغالات من أجل تجنب، أو على الأقل، الحد من أخطار تجزئة الأنتيرنيت والحفاظ على الملاءمة وقابلية التشغيل المشترك بين الأنظمة الإليكترونية، وحفظ الحقوق وتحديد مسؤوليات مختلف المتعاملين وحماية المستخدمين النهائيين من التعسف وتشجيع كل مبادرة جديدة من شأنها أن تسهم في الترقية التكنولوجية.
وقد لوحظ تباين شاسع بين تطور استعمال المستحدثات التكنولوجية وبين التكفل بالقضايا القانونية والانعكاسات الاجتماعية والثقافية والأخلاقية مما استوجب الشروع في مفاوضات دولية تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة جمعت الأطراف الأكثر تأثيرا في ترقية الأنتيرنيت مستقبلا للبحث عن أحسن وأنجع السياسات الواجب اعتمادها في مجال الربط والتجارة والمحتوى والتمويل والأمن ومسائل أخرى ضرورية لمجتمع المعلومات المتنامي.
في هذا السياق، شكل المؤتمر الأول حول مجتمع المعلومات (WSIS=World Summit on Information Society) المنعقد في جنيف بسويسرا في بداية ديسمبر2003 شكل فريق عمل كلف بإعداد أرضية لعملية مفتوحة وغير حصرية تضمن المشاركة الكلية والكاملة للسلطات العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني في البلدان المتطورة كما في البلدان الانتقالية. وقد قدمت الخلاصات التي توصل إليها فريق العمل للمؤتمر الثاني المنعقد في تونس منتصف نوفمبر المنصرم.
غير أنه لوحظ أن المشاركة الواسعة التي أريد لها أن تضمن انخراط الفاعلين الأكثر تأثيرا في هذه الصيرورة أدت محاولات تحريف هذا المنبر الدولي عن أهدافه الابتدائية واستعماله لأهداف سياسية وأيديولوجية سواء من قبل حكام البلدان النامية أو ممثلي التيارات الفكرية خاصة تلك التيارات المعادية لمسار العولمة.
لم تتمكن المفاوضات من التوصل بعد إلى صياغة مقبولة من قبل الجميع لمفهوم حكم الأنتيرنيت، حيث يولي السياسيون أهمية قصوى لوسائل الإعلام والقضايا التي تكسبهم نقاطا إيجابية تجاه متعامليهم بالدرجة الأولى وبدرجة أقل تجاه مواطنيهم( مشروع حاسوب لكل أسرة بصرف عن دوره في مجتمع أمي ليس إليكترونيا وحسب ولكن تقليديا أيضا وبخاصة). ويركز الدبلوماسيون على حماية مصالح أنظمتهم السياسية، في حين يهتم خبراء الاتصالات السلكية واللاسلكية بتنمية البنيات التحية والتقنية الضرورية لتوسيع المجتمع الإعلامي، وبخاصة شبكات الهاتف الثابت التي تتوفر لنسب ضئيلة من المواطنين في البلدان الانتقالية( أقل من 10 في المائة في الجزائر). ويلح المناضلون على حقوق الإنسان من مثل حرية التعبير واحترام الحياة الخاصة والحقوق الأساسية الأخرى ويرى خبراء الاتصال ضرورة تبسيط الاتصالات وجعلها في متناول الأفراد العاديين.
ومهما يكن من أمر، فإن الأرضية التي توصل إليها فريق العمل الأممي وضعت مشروع مفهوم عملي ينص على أنه " ينبغي أن يعني حم الأنتيرنيت صياغة وتطبيق مبادئ ومعايير وقواعد وإجراءات اتخاذ القرارات ووضع البرامج المشتركة الخاصة بتنميط تطور استعمال الأنتيرنيت من قبل الدول والقطاع الخاص والمجتمع المدني، كل فيما يخصه".