جرت العادة في المجتمعات العريقة في ممارسة السلطة عن جدارة واستحقاق، أن يعكف رؤساء الدول السابقين، بعد تفرغهم من الحكم لسبب من الأسباب، على كتابة مذكراتهم الشخصية وتجاربهم الخاصة، ليستفيد منها أو يتعظ بها غيرهم من الرؤساء اللاحقين.
غير أن هذه العادة تعتبر في المجتمعات الهامشية عديمة الجدوى وغالبا عادة سيئة وتقليد عقيم لما قد تتسبب فيه هذه الكتابة من كشف ل"أسرار السرايا" أو على الأقل إحراج للرئيس أو لخلفه أو ربما- وهو الغالب الأرجح- لعجز نتيجة للقيمة التي اكتسبتها الأمية في هذا الزمن السياسي الرديء و التي لا تتنافى مع شروط تولي السلطة، وتتوافق تماما مع سلطة المال والجاه.
وجرت العادة أيضا في الأنظمة الشمولية الرائدة والتابعة على حد سواء، أن تعتبر الحياة الشخصية والأحوال المالية والسياسية حتى لفترة ما بعد الحكم لرؤساء الدول والمسئولين الكبار من "الأسرار" المرتبطة بأمن الدولة. ونتيجة لذلك تحاط حياتهم بسرية تامة ويعتبر التطرق إليها، وأحيانا مجرد التلميح لها، من أخطر الجرائم المعاقب عليها بأشد العقوبات. ولذلك، فإن الصحافة عامة لا تتجرأ على التقرب منها إلا في حالة الإقدام على "الانتحار"، أو التورط في تصفية حسابات بين أجنحة الحكم المتصارعة. والحال أن "الإقدام على الانتحار الصحفي" نادرا ما يحدث ولو في سبيل حرية الصحافة التي تعطى أيضا ولا تؤخذ.
غير أن الأمر يختلف في بلدان الديموقراطية الغربية وحتى في بلدان الاتحاد السوفييتي الراحل، حيث "تطارد" الصحافة رؤساء الدول في كل مكان وتحاول الكشف عن أسرار حياتهم الشخصية بعد الانتهاء من مأموريتهم العمومية. وبلغت "الجرأة" الصحافية درجة المطالبة بالحد من الامتيازات الممنوحة قانونا لرؤساء الدول السابقين والمسئولين المدنيين والعسكريين الكبار مقابل توليهم دواليب الحكم.
في الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت بفضل قوتها التكنولوجية والعلمية والاقتصادية والعسكرية، المثل الذي يحتذي والهدف البعيد المنال، إن لم يكن مستحيل المنال، يواصل الرؤساء السابقين ( وما أكثر بفضل الدستور الذي لا يجيز أكثر من عهدتين رئاسيتين) الاستفادة من منحة المعاش التي تتجاوز 100 ألف دولار سنويا إلى جانب تعويضات المكتب والنقل والخدم والتي تتجاوز 200 ألف دولار سنويا ولكل رئيس دولة سابق. ومع ذلك يواصلون استثمار مكانتهم وشهرتهم في أعمال ذات طابع سياسي أو ثقافي أو خيري إنساني... ولن يدر ربحا. وقد ذهبت الصحافة الأمريكية إلى حد المطالبة بتعديل القانون الخاص بهم طالما أنهم يقومون بأعمال تحقق أرباحا خيالية، ونجاح أعمالهم هذه يتوقف إلى حد بعيد على المكانة التي اكتسبوها بفضل توليهم السلطة وليس نتيجة لقدراتهم وكفاءاتهم الشخصية. فقد أوضحت صحيفة " نيويورك تايمز" في مقال وقعه المعلق الصحفي "وليام مفاير" في أحد أعدادها، أن الرئيس الأسبق، ريغان، على سبيل المثال، اتفق مع "فريق اتصال" ياباني على حضور مهرجان لهذا الفريق وإلقاء محاضرتين مقابل مبلغ مالي قدره مليونين من الدولارات. ويفوق هذا المبلغ ما تلقاه الرئيس ريغان خلال 8 سنوات من البيت الأبيض ب 400 ألف دولار. غير أن الصفقات المربحة لذلك الرجل السياسي المشهور بالكوباوية كانت تبدو على طرفي نقيض مع ما يقوم به رئيس أمريكي سابق آخر، جيمي كارتر حيث انه منذ مغادرته البيت البيض سنة 1981 نذر نفسه للشؤون الدولية وقضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان في العالم. ويتطلب مقر لإقامته في أطلنطا 16 مليون دولار سنويا لعدد من القضايا الممتدة من برامج الفلاحة في غانا إلى ملقيات ولقاءات للبحث عن حلول للنزاعات الجهوية في إفريقيا خاصة. ويشاع عنه أنه أشرف على بناء مساكن للفقراء في أماكن عديدة من العالم. وعلى الرغم من أنه لا يبدو مهتما كثيرا بالمال قدر اهتمامه بالدبلوماسية، فإن أصدقاء له يؤكدون أنه قبل مبالغ مالية هامة مقابل سلسلة من الحاضرات في اليابان، لم يتسن للصحافة التأكد من حجمها. ومع ذلك، يبقى ارتباط كارتر بالمال لا يساوي شيئا مقارنة بما جناه ريغان بصفته رئيسا لأعظم دولة في عالم اليوم.
وحسب أمين الصحافة للرئيس السابق جيرالد فورد، فإن هذا الأخير كان قد تفاوض مرة مع 8 شركات تمتلك محطات للراديو وأسهم في عدد من المقاولات العقارية لإلقاء محاضرات مقابل15 ألف دولار لكل واحدة. وفي السنوات الأخيرة من حياته بدأ يتردد على الجامعات لعقد ملتقيات حول السياسة الخارجية وقضايا التسلح. وحسب مصادر لم تتأكد الصحافة من هويتها فإن فورد كان يتقاضى ما بين 500 و 750 ألف دولار سنويا مقابل نشاطات الإضافية.
وبخصوص الراحل نيكسون، فإن الصحافة لم تتمكن من إعطاء تفاصيل عن أوضاعه المالية ونشاطاته ما بعد الرئاسية على الرغم من أنها وراء سقوط "عرشه" على إثر نشر فضيحة" ووترغايت".إلا أن صحيفة "واشنطن بوست" تؤكد أن حياة نيكسون ما بعد الرئاسية بعيدة عن العتاب حيث أنه تفرغ لقضايا لاصلة لها بالدولار وأنه كان يكفر عن ذنوبه أثناء فترة الرئاسية.
هذه بعض النماذج للكيفية التي تتعامل بها الصحافة وخاصة الأمريكية مع رجال السياسة والمال، ولم يتجرأ يوما واحد منهم أن يحاول مجرد المحاولة الحد من حريتها، فحتى مؤسسة الكونغرس لا يسمح لها الدستور بسن قانون يحد من حرية الصحافة... والحال أن الدستور الأمريكي فوق الجميع... الرجال والمؤسسات عند ما يتعلق الأمر بأمريكا وبالأمريكيين.
بهذه الكيفية أيضا تحاول من حين لآخر أن تتعامل الصحافة مع رجالات السياسة في بلدان العالم الانتقالي الذين تفشل أجهزة "الأمن والوقاية" الخاصة في التستر عنهم للغباوة أحيانا وتحت تأثير الغيرة والحسد وحب الانتقام وتصفية حسابات في الكثير من الأحيان. وغالبا تلجأ رجالات السياسة في هذا العالم "المتدمقرط" إلى تقديم تبريرات واهية لرأي عام مغفل عموما: تكذيب وتساءل عن خلفيات " التشويه" وإدراجه ضمن محاولات زعزعة النظام واستقرار الدولة والاعتداء على "السيادة" الوطنية بتشويه صورة زمر هذه السيادة.
وعلى الرغم من هامش الحرية التي تتمتع به الصحافة المكتوبة في الجزائر منذ أن تخلت الدولة والحزب عن احتكار هما لها في بداية تسعينات القرن الماضي ورغم المحاولات المحتشمة، والتي قد لا تخرج عن التلاعب بالصحافة و "تصفية حسابات الزمر المؤثرة"، فإن تفاصيل حياة الرؤساء السابقين، بما فيها مرتباتهم، لازال يكتنفها الغموض، كما كانت وهم عاملون. 4 رؤساء سابقين: أحمد بن بلة، الشاذلي بن جديد، اليمين زروال وإلى حد ما على كاف، الوحيد الذي كتب مذكراته بمساعدة "نساخين"، لازالوا يتعاشون على أرض الجزائر، وهو أمر نادر في البلدان الهامشية والعربية خاصة. ولكن حياة هؤلاء الأشخاص الذين لازالت بصدماتهم بادية على الجزائر والجزائريين، ونشاطاتهم لازالت محرمة على الصحافة، أي على الجزائريين، ومدرجة ضمن "أسرار الدولة"، كما هي محرمة على الصحافة نشاطات كل المسئولين العسكريين والمدنيين الذين تحول العديد منهم إلى رجال الأعمال والمال، إلا ما ندر من الذين غضبت الزمر الفاعلة في دواليب الحكم.
ليس من السهولة بمكان أن يكتب المرء في يسر عن موضوع ذي طبيعة وأبعاد فلسفية بالدرجة الأولى، مثل موضوع "النخبوية" من منظور ثقافي إليكتروني على غرار جل المفاهيم المعولمة التي أثراها تدخل الإليكترون أو عدلها أو ببساطة أحالها على المتحف الدلالي واللغوي.
فالنخبة الإليكترونية(e-Elite) تعني عولميا، إعادة إنتاج النصوص ميكانيكيا، أو الأداة التي تسمح بقراءة الكتب على الشاشة، الأمر الذي يعطي للمفهوم مدلولا تقنيا خالصا، انسجاما مع المآل الذي ينتظر المفهوم التقليدي للنخبوية كنظام يفضل ويحمي مزايا ومصالح النخب على حساب أعضاء المجتمع الآخرين، أي المفاضلة بين الناس على أساس من الانتماء الاجتماعي والثروة المادية وامتلاك السلطة مهما كانت طبيعتها.
إن انتشار التعليم وسيادة المعرفة وتوسيع مجال استعمال المعلوماتية والاتصال، أي جعل الثقافة الإليكترونية ذات طابع جماهيري، أدى إلى بروز طبقات وسطي واسعة وممتدة في الزمان والمكان مؤهلة لإنشاء شبكات من البنيات الأساسية للتنظيم السياسي/الاقتصادي والاجتماعي/الثقافي لمجتمعات ما بعد الحداثة.
هذه المجتمعات القادرة على المبادرة والتي يتولى الإليكترون، تحت قيادة وتوجيه الإنسان طبعا، مهمة الإشراف على تحولها وتحركها باتجاه أهداف المجتمع وأولياته واحتياجاته الأساسية بدلا من دور النخب التقليدية والأحزاب السياسية والمنظمات الكلاسيكية.
فالاتحاد الأوروبي للنقابات العمالية على سبيل المثال كان أهم شبكة عالمية تواجه مؤتمرات دافوس ومنظمة التجارة العالمية، وهم يضم عشرات الملايين من الأعضاء متواجدين في أمان مختلفة كانوا يتحركون بفعل الإنترنت والهواتف المحمولة والفضائيات كما لو كانوا منظمة صغيرة محصورة في رقعة جغرافية محددة المعالم. و"الأممية الفلاحية" تضم حوالي خمسين مليون عضو من اتحادات وجمعيات المزارعين حول العالم، كانوا يتحركون معا لمواجهة منظمة التجارة العالمية والشركات العملاقة والسلطات المتحالفة معها لتنفيذ سياسات تضر بصغار المزارعين وبإنتاجهم.
إن هذا المجتمع الحيوي، القوي والفاعل المنشود الذي تنسق حراكه طبقة وسطي ممتدة ومبادرة لا نخب سياسية أو مثقفة متداعية، معزولة وآيلة للانقراض أنشأتها ظروف واعتبارات فكرية وسياسية لم يعد وجودها مبررا من حيث تقسيم المجتمع إلى نخب متميزة عن بقية الشعوب، إلى خاصة الناس وعامتهم. فالمجتمع المدني بمفهومه الإليكتروني هو القادر على التعامل الصحيح مع العولمة وتغير مفهوم ودور الدولة فيه.
قد تعود الأزمات القائمة اليوم بين المجتمعات والسلطات، خاصة في الدول الانتقالية من مثل الجزائر، إلى أن الحكومات والنخب المتحالفة معها لازالت تتجاهل دور المجتمعات المدنية والطبقات الوسطى التي أضعفتها التحولات السياسية والاقتصادية السابقة. كما أن انتفاضة المجتمعات في بلدان عدة قد تعبر عن الهواجس والتفكير بالاقتراب من مشروعات وطنية اجتماعية تعيد تنظيم المجتمعات على أساس حماية مصالحها، وتؤسس لثقافة مجتمعية تعكس الاحتياجات الحقيقية لأفراد المجتمع.
إن التحولات والتغيرات الكبرى، القائمة على أساس المعرفة والمعلوماتية والاتصالات، تعطي المجتمعات المدنية والطبقات الوسطى تحديدا فرصا جديدة، تجعلها قادرة على التحرك وفرض إرادتها بفضل قدراتها على التفاعل مع التنظيم الإليكتروني للمجتمعات ومؤهلاتها الاتصالية التي تجعلها أكثر قدرة وأكبر سرعة لحماية مصالحها من عبثية النخب ومزاجية الأحزاب الحاكمة والمعارضة.
وقد بدأت عموما تتواجد أدوات جديدة لفهم المجتمعات، واستقرارها، وتسييرها، تختلف عن روح السيطرة والتفاهم مع النخب والقيادات السياسية والاجتماعية ورشوتها. فالمعرفة المتاحة، والشبكية الإعلامية والمجتمعية والاقتصادية الناشئة تغير كل شيء في حياة وعلاقات الناس والمجتمعات والدول.
يسود شبه إجماع في أوساط النخب السياسية والمالية والثقافية في المجتمعات الهامشية والتيارات الأيديولوجية المناصرة لأطروحتها في المجتمعات المحورية، يجرم العولمة كحتمية تاريخية ويحذر من أخطار انعكاساتها على السياسة والاقتصاد والهوية الثقافة والحضارية وعلى جميع مناحي الحياة بهذه المجتمعات المقبلة على استهلاك منتجات العولمة بنهم وشراسة.
يطلق القادة السياسيون والموالون لهم في المجتمعات المدنية، في كل مناسبة وبغير مناسبة، صفارات الإنذار المدوية والمحذرة من الأخطار المحدقة بمجتمعاتهم جراء تدفق المعلومات والسلع والخدمات والقيم الثقافية للأمم المنتجة عبر الطرق السريعة للعولمة، ويلصقون بمصادر هذه التدفقات جميع أنصاف التهم القانونية والدينية والأخلاقية.
يبدو أن الخطابات المناوئة للعولمة تعيد إنتاج وتسويق المضامين الإيديولوجية الشيوعية المعادية "للإمبريالية" العالمية و"الرجعية" الداخلية المتحالفة معها، حتى يخيل للمرء أن من ينتج العلم والمعرفة والقيم الحقوقية الإنسانية ويسوق المواد الغذائية والملابس وجميع أسباب الراحة بأسعار منخفضة في متناول أغلبية الناس، هم"شياطين" غربية متربصة بالبشرية الضعيفة، وأن من ينتج الأوهام ويوزع الوعود والأحلام، ويعمل على تجويع الناس واستعبادهم وتهجيرهم عبر الصحاري القاحلة والمحيطات المظلمة ويوفر لهم جميع أسباب الجحيم على الأرض... هم "ملائكة" سيشفعون للمطيعين منهم بدخول الجنة في السماء!!!
قد يكون هذا النمط من التفكير غير المتحرر، أحيانا عفويا ناجما عن سذاجة أو غفلة، ولكنه لا يبرر هذه النظرة التشاؤمية الشاملة للعولمة وكأنها الشر كله، في حين أنها في حد ذاتها الخير كله. جوانبها المظلمة تكمن في النيات المعلنة والمتسترة للمتحكمين في زمام أمورها، والذين يعملون على تحقيق أهدافهم الاستراتيجية التي قادت منذ عقود إلى توفير أسبات هذه العولمة والشروع في تجسيدها ميدانيا. ليست تلك الأهداف دائما في انسجام مع ما تطمع إليه النخب النافذة في الطرف الآخر، بل هي غالبا في تناقض معها، ولكنها ليست بالضرورة لا غية لمصالح عامة الناس في هذا الطرف الآخر، مقارنة بالتباين الصارخ بين مصالح الحكام المحكومين في البلدان الهامشية.
تعمل هذه الخطابات التحذيرية على خلق وترسيخ ارتباك عام وتوجس من"الفيروسات" المتسللة عبر برامج الفضائيات ومواقع الواب وصناديق البريد الإليكتروني وأنظمة الرسائل القصيرة لشبكات الهواتف الخلوية، وغيرها من الطرقات الافتراضية السريعة التي أنشأتها العولمة، وتركز بصفة خاصة على قوتها البالغة السحرية في إلغاء خصوصيات الهوية المحلية لحساب ثقافة العولمة الجارفة.
صحيح أن قيم ثقافة العولمة قوية بقوة المنتجين والمشرفين على تعميمها، ولكن الدعوة إلى مقاومتها تبدو غير مجدية وخاصة غير مفيدة، طالما أن قدرة الجذب أقوى من قوة التنافر، خاصة وأنها لا تفرض بقوة السلاح، كما كان الشأن مع الغزوات الاستعمارية، ولكن بقوة العلم والتكنولوجيا. حييث تسود سلطة العلم والمعرفة تنتفي علة المقاومة وتحل محلها التزامات التكييف والملاءمة والتعايش بين القيم والاعتراف المتبادل، ويمكن بالتالي للهويات المحلية أن تتعولم وتعرف بفضائلها ومحاسنها التي يمكنها بقوتها الإنسانية أن تعوض سيئات ثقافة العولمة اللا إنسانية.
إن الهوية الثقافية لجماعة محلية أو شعب أو أمة من الأمم، في سياق الجغرافيا الثقافية في علاقاتها مع قضايا العولمة، هي السمات الثابتة الجوهرية المشترك بين عامة الناس، التي تميز انتمائهم الحضاري عن غيره من الانتماءات الأخرى، والعولمة، كصيرورة ونمط معيشي معلن للملإ، من شأنها أن تؤدي إلي مزيد من الوعي بالخصوصية الثقافية والحضارية للشعوب، وإن كان ذلك يخيف المؤمنين بصراع الحضارات الذين يلبسون صراع مصالح النخب النافذة رداء حضاريا لكسب ود الشعوب وتأييدها.
ثقافة العولمة التي يعتبروها غازية ولاغية للثقافات المحلية والوطنية لا يمكن فهمها إلا من خلال مفهوم هذه الأخيرة التي تتكون من جميع أساليب وأنماط السلوك والأفكار والرموز والفنون التي تتوفر لشعب معين في بقعة جغرافية معينة. أما حيث الفراغ الذي يصعب تصوره في هذه الحقبة من تاريخ البشرية، فإن ثقافة العولمة تتجاوز الثقافات الوطنية وتتخطى الحدود الجغرافية والسياسية وتنتشر من خلال قنوات تدفق السلع والأفراد والمعلومات والمعرفة والصور.
يتضمنها غالبا خطاب تقني وعملي وتتحرك في جميع الاتجاهات عبر وسائط الاتصال الحديثة بحسابات خلوية دقيقة، وهي في مرحلتها الأولية هذه، نخبوية رغم ميلها الدائم نحو الجمهرة، تفرض من أعلي وتفتقد لقاعدة تعبر عن حاجات محلية ولا تلتزم بأشكال ومضمون التراث الثقافي التي تنتقي ما يعززها وما يساعد على تمركز القوة التي ليست هنا سياسية وحسب، ولكنها أيضا وخاصة قوة التكنولوجيا المرتبطة بالمشروعات الصناعية ذات الصبغة الكونية كشبكات الحاسوب والإنترنات،